الجاحظ

132

العثمانية

ولم تكن صلاة واحدة فيكون خلسة ( 1 ) . والقوم كانوا أشد تقديما لذلك المقام من أن يدعوا رجلا لم يقهرهم بسيف ، ولم يمتنع عليهم بعشيرة ، ولم يفض فيهم الأموال ، وليس معه فضل بائن ، ولا سبب من من قرابة ، ولا أمر من النبي صلى الله عليه . فإن صاروا إلى الاعتلال بالأحاديث وذكر الآثار قالوا ( 1 ) : إنما نحتاج إلى المقابلة بين أفعال على وأفعال غيره ، لو كنا لا نجد له غير الافعال . فإذا كنا قد وجدنا له من غير الافعال ما هو أدل على الفضيلة من الافعال ، لم يكن لنا أن نتخطى الأفضل إلى الأنقص في دفع المتغلب ، وإقامة المستحق عند ظهوره وزوال التقية فيه . لا أنهم ( 3 ) قابلوا بين جميع المهاجرين في القرب والبعد ، ولا أنهم صنعوا العلم بفضله بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكنهم قوم قد كانوا من قبل ذلك بثلاث وعشرين سنة يرى بعضهم بعضا ويعرف بعضهم أمر بعض ، يغزون معا ويقيمون معا ، ويسمعون من النبي صلى الله عليه القول بعد القول ، ويرون أحوال الرجال عند النبي صلى الله عليه ، وفى المسلمين وفى أنفسهم ، فعلموا بذلك فضل أبى بكر ، فلما توفى النبي لم يحتاجوا مع علمهم الأول إلى أن يضعوا علما ثانيا . ولو أن رجلا منا شاهد النبي صلى الله عليه وأصحابه سنة واحدة ما خفى عليه من المقدم عنده وعند المسلمين ، ومن أشبههم به هديا

--> ( 1 ) في الأصل : " حلسه " . ( 2 ) في الأصل : " وقالوا " . ( 3 ) في الأصل : " ولأنهم " .